سميح عاطف الزين
21
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فالإنسان منذ وجد على سطح الأرض ، كان مدعوّا دائما لمواجهة الخيار الأكبر : إمّا الاهتداء إلى الحقائق المطلقة التي إن عرفها وعمل بوحيها أمكنه التكامل وبلوغ درجاته العليا ، وبها يكون جديرا باستخلاف اللّه تعالى له على هذه الأرض . . وإما البقاء في النطاق البشري ، دون الارتفاع إلى مرتبة الإنسان السامية ، فلا يكون لوجوده أية قيمة خاصة ، ولا يكون له أيّ اعتبار مميّز ، سوى أنه واحد من هؤلاء الأفراد الذي يأتون إلى هذه الدنيا ، ويذهبون عنها دون أيّ أثر يذكر . وبما أن الخيار حاسم ، والمبادرة دائما بيد الإنسان نفسه ، فإن تقرير مصير ابن آدم نابع دائما من ذاته . فإن هو جعل غايته الكمال وجب عليه اعتماد تربية نفسيّة خاصة ، وانتهاج سلوك إنسانيّ خاص ، لا بدّ أن يكونا على أعلى درجة من الارتقاء والتسامي . . إذن فالأمر يتناول الإنسان في جوهره وفي أعماقه ، مما يستحيل معه وضع مقاييس محددة تعيّن ما في النفس الإنسانية من ميول وحاجات وغايات . على أنه يمكن التنويه بخمس حقائق لا بد من إدراكها حتى يكون الإنسان على بيّنة من أمره فيما يجب عليه عمله : 1 - أولى هذه الحقائق : معرفة النفس التي هي محلّ الثواب والعقاب . ذلك أن اللّه - سبحانه وتعالى - قد خلق الجسد من سلالة من طين . ثم أحياه بواسطة الروح ، فصار التكوين قائما بالجسد والروح معا . . ولكن هل الجسد والروح هما الإنسان ، أم أن هنالك عطاء ثالثا لا يمكن بدونه أن يكتمل الخلق الإنساني ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو هذا العطاء بل وما هي أهميته ؟ إن اللّه - تبارك وتعالى - قد منح الجسد والروح ملكة المعرفة ،